الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
129
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
هو إرادة المعنى المجازي منفردا وأما تجويزه لإرادة المعنى المجازي مع إرادة المعنى الحقيقي أيضا حسبما فرض محل النزاع فغير معلوم من ملاحظة الاستعمالات لو لم نقل بدلالتها على المنع منه وذلك كاف في عدم جواز الاستعمالات فإذا لم يجز الاجتماع بينهما في الإرادة كانت القرينة الدالة على إرادة المعنى المجازي معاندة لإرادة الحقيقة من الجهة المذكورة وهذا هو الوجه فيما ذكره علماء البيان من كون المجاز ملزوما للقرينة المعاندة فيكون ما ذكروه كاشفا عن منع الجمع بينهما في الاستعمال وأما المعنى الكنائي فقد عرفت أن إرادته لا تنافي إرادة المعنى الحقيقي حيث إنه يمكن أن يراد من اللفظ إفهام معناه الحقيقي ويراد من ذلك إفهام لازمه أيضا فكون المراد إفهام اللازم لا ينافي إرادة إفهام الملزوم أيضا فإن أريد الأمر إن كان اللفظ مستعملا في الموضوع له أعني الملزوم ويكون إفهام اللازم حاصلا من إفهام الملزوم واستعمال اللفظ فيه فيكون حقيقة أصولية وإن أريد إفهام اللازم خاصة كما إذا أقيم هناك قرينة معاندة لإرادة الحقيقة كان مجازا بالاصطلاح الأصولي فصح ما جعلوه فارقا بين الكناية والمجاز من كون الأول ملزوما للقرينة المعاندة بخلاف الثاني حيث إنه لا يستلزم القرينة المعاندة وإن اتفق اقترانه بها قوله وهو الآن داخل يعني في المستعمل فيه وظاهر العبارة إرادة دخول الجزء تحت الكل أو دخول الخاص تحت العام الأصولي وقد عرفت أنهما خارجان عن محل النزاع لكون الكل والمعنى العام الشامل للأمرين مغايرا للموضوع له قطعا وليس ذلك من الاستعمال في الموضوع له وغيره على أن يراد كل منهما بإرادة منفردة كما هو المفروض في محل البحث في شيء فعلى كل من الوجهين المذكورين لا يكون شيء من المعنيين مما استعمل اللفظ فيه بل المستعمل فيه هو الكل المجموعي والعام الأصولي بخلاف الوجه الأخير المفروض في محل البحث لكون كل من المعنيين على ذلك الفرض قد استعمل اللفظ فيه لكونه مرادا بإرادة مستقلة وحينئذ فنقول إن كان المراد مما ذكروه في حد الحقيقة من أنها اللفظ المستعمل فيما وضع له أن يكون مستعملا فيما وضع له وحده فلا بد من اعتبار ذلك في حد المجاز أيضا لكون الحدين على نهج واحد وحينئذ فيكون اللفظ المستعمل في كل من المعنيين المذكورين خارجا عن الحدين فلا يكون اللفظ المذكور حقيقة ولا مجازا وإن كان المقصود استعماله في الموضوع له في الجملة أعني لا بشرط أن لا يكون مستعملا في غيره أيضا تعين اندراج اللفظ المذكور في كل من الحدين فيكون حقيقة ومجازا بالاعتبارين فلا يصح ما ادعاه من الاندراج في المجاز دون الحقيقة نعم لو اعتبرت الوحدة في حد الحقيقة دون المجاز ثم ما ادعاه من الاندراج في المجاز خاصة إلا أنه وجه ركيك لا شاهد عليه ولا باعث للالتزام به قوله في معنى مجازي شامل للمعنى الحقيقي كان ظاهر العبارة بملاحظة ما ذكره من المثال والحكم بكونه من عموم المجاز يعطي كون اندراج الموضوع له المستعمل فيه من اندراج الجزئي تحت الكلي فيكون اللفظ مستعملا في المعنى الكلي المشترك بين المعنيين الصّادق عليهما ولا يخفى أنه خلاف الظاهر من كلام المستدل بل الذي يتراءى من ظاهر كلامه جعله من باب اندراج الجزء تحت الكل أو الخاص تحت العام الأصولي على أن يكون المراد من اللفظ مفهوم كل من المعنيين حسبما مر بيانه في بحث المشترك وقد قرر موضع النزاع هناك على كل من الوجهين المذكورين كما مرت الإشارة إليه وإلى وهنه وأما جعل المقام من استعمال اللفظ في مفهوم كلي مشترك بين المعنيين صادق عليهما فمع وضوح فساده في نفسه لا وجه لحمل عبارة المستدل عليه وقد يحمل عبارة المصنف على بيان ما ذكرناه فيكون مراده من شموله للمعنى الحقيقي هو المشمول على أحد الوجهين ولا ينافيه جعله من قبيل عموم المجاز إذ لا مانع من تعميم عموم المجاز لذلك وما ذكره من المثال إنما هو لبيان عموم المجاز في الجملة وإن لم يطابق ذلك عموم المجاز الحاصل في المقام هذا ويمكن أن يقال إن مقصود المستدل أن الحاصل في المقام استعمال واحد والمفروض أن المستعمل فيه بذلك الاستعمال هو المعنى الحقيقي والمجازي فيكون المعنى المجازي مندرجا في المستعمل فيه والمفروض خروجه من الموضوع له فلا يكون المستعمل فيه عين الموضوع له بل غيره فيندرج في المجاز وحينئذ فلا خروج فيه عن محل البحث ولا يكون من عموم المجاز في شيء والجواب عنه حينئذ ما عرفت من أن اندراج غير الموضوع له في المستعمل فيه يكون على أحد وجهين أحدهما أن لا يتعلق الاستعمال بشيء من المعنيين إلا بالتبع نظرا إلى اندراجه في المستعمل فيه حينئذ فيكون المستعمل فيه هو المعنى الشامل له سواء كان شموله له من قبيل شمول الكل لجزئه أو العام الأصولي للخاص المندرج فيه والمفروض أن ذلك المعنى مغاير للموضوع له فيكون مجازا قطعا وثانيهما أن يتعلق الاستعمال بكل من المعنيين بأن يراد من اللفظ خصوص معناه الحقيقي بإرادة منفردة وخصوص معناه المجازي بإرادة أخرى وحينئذ فلا شك في كون كل من المعنيين مما استعمل اللفظ فيه فيندرج اللفظ حينئذ في كل من حدي الحقيقة والمجاز بالاعتبارين غاية الأمر أن لا يكون بملاحظة استعماله في كل منهما مندرجا في خصوص شيء من الحدين ولا يمنع ذلك من اندراجه في الحقيقة بملاحظة استعماله في معناه الحقيقي وفي المجاز بملاحظة استعماله في الآخر نعم لو كانت الوحدة ملحوظة في كل من الحدين لم يندرج ذلك في شيء منهما فلا يكون مجازا أيضا وهو مع منافاته لما ادعاه باطل بالاتفاق فلا يتم كلامه إلا على ما أشرنا إليه من اعتبار الوحدة في حد الحقيقة دون المجاز وقد عرفت وهنه قوله اتجه القول بالجواز لا يخفى أن ما ذكره إنما يقضي بجواز الاستعمال المذكور بالنسبة إلى المفرد إذ الوحدة إنما تعتبر فيه على مذهبه وأما بالنظر إلى التثنية والجمع فلا لعدم اعتبار الوحدة فيهما فالجهة الثانية من المعاندة حاصلة هناك فلا وجه لإطلاق الحكم بالجواز وقد يقال بأن مراد المصنف رحمه الله في المقام هو بيان الحال في المفرد بجريان الترديد المذكور بالنسبة إليه وأما بالنظر إلى التثنية والجمع فلا مجال لاحتمال الحقيقة نظرا إلى كونهما موضوعين لتكرير المفرد بالنظر إلى معناه الحقيقي فلو أريد تكريره بالنسبة إلى معناه المجازي أو الحقيقي والمجازي كان مجازا قطعا وفيه أن ذلك إنما يتم لو قلنا بتعلق وضع مخصوص بالتثنية والجمع وهو إنما يسلم في الجمع المكسّر وأمّا في التثنية والجموع المصححة فلم يتعلق فيهما بمجموع الكلمة وضع مخصوص وإنما هناك وضع اسمي متعلق بالمفرد ووضع حرفي متعلق بالحرف الذي يلحقها ليفيد تعدد ملحوقه حسبما مر القول فيه وحينئذ فعلى القول بجواز بنائهما مع اختلاف المعنى المراد من المفرد كما هو مختار المصنف على ما ذكره في بحث المشترك يكون معناه الموضوع له في الاستعمال المفروض على حاله من غير تصرف فيه فلا تجوز فيه بالنظر إلى إرادته فلا يصح حينئذ أن يراد منه معناه